عرض مشاركة واحدة
قديم 23 Jan 2014, 02:13 am رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أم الشفاء
لؤلؤة الملتقى
إحصائية العضو






أم الشفاء is a name known to allأم الشفاء is a name known to allأم الشفاء is a name known to allأم الشفاء is a name known to allأم الشفاء is a name known to allأم الشفاء is a name known to all

أم الشفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : أم الشفاء المنتدى : قسم الســـــــــير والتراجم
افتراضي رد: الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

  • وهذه ترجمة أخرى ـ مع شيء من التفصيل ـ للشيخ العلامة المحدث حامد الأنصاري رحمه الله، كتبها أيضا ابنه :عبد الأول بن حمَّـاد الأنصاري ، من نفس الكتاب من المكتبة الرقمية في الشابكة ـ المدينة النبوية ـ

ترجمة موجزة بقلم عبد الأول بن حماد الأنصاري عفا الله عنه

ـ الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى وعلى آله وصحبه أهل الوفى.
أما بعد:
فاعلم أيها القارئ الكريم: أن الوالد الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي ـ نسبة إلى سعد بن عبادة الأنصاري الصحابي الجليل رضي الله عنه ـ خرج من أفريقيا ـ وبالأخص دولة (مالي) ـ بسبب الاستعمار المهيمن على أفريقيا في ذلك الوقت؛ وكان هذا الاستعمار الفرنسي بطّاشا خبيثا معانِدًا، يأكل الأخضرَ واليابس ويمنع التديّن والعلم، ويهضم أهلَ الإسلام حقَّهم وغير ذلك من المعضلات والمفاسد.
فلما رأى الوالد ـ رحمه الله تعالى ذلك ـ وكان عمرُه عندها ستة عشر عامـًا ـ عزم على الهجرة من أفريقيا إلى الحرمين، وقام بالتخطيط لهذه الهجرة مع بعض أصحابه الملاصقين به ملاصقةً قوية في طلب العلم والمرح والنزهة وغير ذلك؛ وهم: الشيخ عمّار "حفظه الله" الموجود بمكة والآن، والشيخ أُحيد الموجود ببلاد (مالي) في صحرائها التي تختلف عن صحارى الجزيرة؛ فصحراء أفريقيا يوجد فيها العلماء في كل فنّ ـ وبالذّات اللغة العربية وفروعها والشعر العربي الفصيح مما يشابه شعر امرئ القيس وعنترة والبحتري من شعراء الجاهلية وشعراء ما بعد الإسلام؛ فلا تكاد تخلو صحراء أفريقيا من قول الشعر، وينظم لهم شيوخهم ما يتعلّمونه من العلم الشرعي وعلوم الآلة وأصول الفقه والبلاغة بأنواعها من بيانٍ ومعاني وبديع.
فقام الوالد بالإشارة عليهم بالهجرة إلى الحرمين الشريفين لأكثر من سببٍ، من ذلك: طلب العلم على شيوخ الحرمين، والهجرة من الاستعمار الباغي، وغير ذلك.
وقد طرأت على الوالد هذه الفكرة في زهرة شبابِه وفي سنٍّ لا يكاد يُذْكَرُ

صاحبه في هذا الزمن إلا بلعبٍ وعبث.

وقد كان الوالد "رحمه الله تعالى" من بيت علمٍ وفضل وقضاء؛ فمنذ نعومة أظفاره وأهله مهتمّون به، ويعلِّمونه؛ فقد كان عمُّه الملقّب بالبحر عالمَ أفريقيا قاطبةً ومفتيها؛ ولقّب بالبحر لسعة علمِه ودقّة فهمه وندور مثله في صحراء أفريقيا وحاضرتها.

قام عمُّ الوالد هذا بإنشاء الوالد على حفظ القرآن مبكرًا وحفظ علوم الآلة، وكذلك الحديث، والفقه المالكي "مختصر خليل".

وقد يتساءل القارئ: أين والدُ الشيخ ؟.

فأقول له: إنّ أباه مات عنه وهو ابنُ ثمان سنوات؛ فقد كان يتيمـًا عاش في كنف عمِّه وأخواله ووالدته؛ فقد كان مَن حوله من أقربائه من جهة أبيه وأمه فيهم طلبة العلم والعالم والمفتي والقاضي.

فنشأ في هذه البيئة العلميّة المحضة في جوٍّ ليس فيه من أمور الحضارة الموجودة اليوم شيء لا كهرباء ولا سيّارات ولا طائرات.

عاش في بيئة من أجمل ما تكون فيها الخضرة، والغابات، والماء الصافي، والنسيم الجميل، والهواء النقي؛ فقد سمعتُه أكثرَ من مرّة يقول: "إن الوقت الذي كنت فيه في إفريقيا لا يتمنّى أحدٌ أن يخرج منها لما فيها من الخيرات التي لا تحصى من مأكل ومشرب ونزهة وغير ذلك".

حفظ الوالد "رحمه الله تعالى" القرآنَ وعمرُه ثماني سنوات، ثم أخذ في علم القراءات فعرفها، وأتقن حفظَ القرآن عليها.

وقد كان الناس في وقته يحفظون القرآن على اللوح: يكتب لهم شيخ الكتاتيب الآية والثلاثة فيذهب الطالب يحفظها ثم يُسَمِّعُها للمعلم، ثم يمحوها ويكتب له المعلم غيرها، وهكذا حتى يحفظ القرآنَ كاملاً.
وبعد حفظه يذهب إلى حلقات العلم الأخرى فيحفظ من علوم اللغة وغير ذلك.
فلم يبلغ الوالد سنّ الرشد حتى أصبح يحفظ شيئـًا كثيرًا من المنظومات؛ فقد كان يحفظ "الملحة" للحريري، و "الشافية" لابن مالك، و "الألفية" له؛ ويحفظ أكثرَ من منظومة في الصرف.
ويحفظ "الألفية" في أصول الفقه للسيوطي، وكذلك "جمع الجوامع" في الأصول ـ المتن ـ للسبكي، ويحفظ "المعلّقات السبع"، وقصائد الجاهليين، و "مقصورة ابن دُريد"، ويحفظ منظومة في حروف الجُمَّل؛ وهذه المنظومة لقّنها كثيرًا من طلبة العلم في هذه البلاد وشرحها لهم وكتبوها عنه.
كما يحفظ منظومةً طويلة في التنجيم، كان يذكرُ لنا من ناظمها عندما يذكرها (نسيت ما اسمه).
ويحفظ "مختصر خليل" مثل الفاتحة.
كما كان يقول لنا: أن له "ديوان شعر" تركَه في أفريقيا لم يحضره معه لَمّا هاجر إلى هذه البلاد المباركة؛ لأنّه خرج من أفريقيا متسلّلاً لا يحمل معه سوى مصحف خوفـًا من الاستعمار الفرنسي والبريطاني؛ فقد كان المستعمر لا يسمح لأحدٍ من أهل أفريقيا أن يخرج منها إلى الحرمين كما كان يذكر لنا "رحمه الله تعالى" أنه عندما جَهّزَ نفسَه للرحيل هو وزميلاه الاثنان خرج ليلاً ممتطيـًا كلّ واحد منهم جملَه، فخرجوا؛ ومكثوا في رحلتهم هذه سنتين حتى وصلوا إلى ميناء جدة.
مرّوا فيها بكثيرٍ من البلاد مثل: (النيجر) و (نيجيريا) و (السودان) وغيرها.
قد التقى الوالدُ "رحمه الله تعالى" ببعض أهل العلم؛ ففي نيجيريا التقى بالشيخ المجدِّد العالم السلفي عبد الله بن المحمود الشريف الحسني الذي نشر الدعوة السلفيّة في صحراء (مالي). وأخرج الله على يده أممـًا من الناس من ضلال عبادة القبور والتوسل بالصالحين والخرافات والبدع المنتشرة آن ذلك في بعض صحراء أفريقيا.
والشيخ عبد الله الذي التقى به الوالد "رحمه الله تعالى" في نيجيريا كان قادمـًا من هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية ـ حرسها الله تعالى وشرّفها ـ؛ فقد كان حياته من صغره بالمدينة النبوية، وكان إمامـًا للمسجد النبوي الشريف ومدرِّسـًا فيه.
وقد أفرد الوالدُ "رحمه الله تعالى" له ترجمةً بلغت في مجلّد لطيف (مطبوع).
فلما التقى به الوالد في نيجيريا أخذ عنه نصائحَ كثيرة، أهمُّها قوله: "يا بنيّ إذا وصلتَ إلى بلاد الحرمين فعليك بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وعليك بنشر عقيدة السلف ونشر كتبهم، وعليك بتعليم الناس العقيدة والعلم".
وقد سمعتُ الوالدَ يقول: "لقد تأثّرتُ بنصيحته هذه جدًّا وأخذت بها، وبلغت من قلبي مبلغـًا عظيمـًا، وعزمت على العمل بها".
كما التقى بالشيخ طاهر السواكني في دولة السودان، وأخذ عنه علم الحديث، وعرف على يديه كتب الحديث؛ فقد كان الشيخ طاهر عالمـًا من علماء السودان في الحديث وغيرِه، وكان له الاهتمام الكبير بعلم الحديث؛ فقد سمعتُ الوالدَ يقول: "لقد تأثّرت بالشيخ طاهر السواكني في علم الحديث؛ فقد نصحني بتعلّمه واقتناء كتبه، والسير على منهج أهلِه".
فكان لهاتين النصيحتين تأثيرٌ بالغٌ في حياة الوالد العلمية إلى أن انتقلَ إلى "رحمه الله تعالى".
وعندما وصل الوالدُ إلى جدة سارع إلى الذهاب إلى مكة المكرمة، وكان عمره عندما دخل هذه البلاد المباركة "بلاد التوحيد" تسعة عشر عامًا.
والتقى بالشيخ حامد فقي بمكة، وتأثّر به جدًّا من أكثر من جهة سواء بعلمه أو نشره لعقيدة السلف وحبّه لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكذلك كتب أئمة الدعوة بدءًا من إمامها محمد بن عبد الوهاب التميمي "رحمه الله تعالى".
وتلقّى على يده العلم في العقيدة والحديث، وتأثّر به جدًّا.
وكذلك التقى بالشيخ محمد حمزة، وأخذ عنه العلم.
وكذلك الشيخ يحيى المعلِّمي المحدِّث الجهبذ عالم عصره في علم الحديث؛ لازمَه وأخذ عنه حبّ علم الحديث وتعلّمه.
ولازم الشيخ تقيّ الدين الهلالي ملازمةً طويلة استفاد منه في أكثر من فن من فنون العلم.
وسمعتُ الوالدَ يقول: "لازمتُ الشيخ يحيى المعلّمي أثناء إقامته بمكتبة الحرم المكي، واستفدت منه كثيرً".
كما استفاد من علماء الحرم المكي وحضرَ دروسَهم، وأجازَه بعضهم ممن يهتم بالإجازات.
وكذلك استفاد من الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في مجال العقيدة وكتبها؛ وهو الذي أشار عليه أن يذهب إلى الرياض للعمل هناك، وكتب له رسالةً إلى أخيه الشيخ محمد بن إبراهيم "رحمه الله تعالى" فيها توصية به.
ولما سافر إلى الرياض سنة 1373ه‍ التقى بالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي العام لهذه البلاد المباركة، فلازمَه وأحبّه وقرّبه إليه لما رأى فيه من حبّ العلم ونشره، وحثّه على أن يكون له درسٌ في الجامع بالرياض؛ فكان الوالدُ يدرِّس طلبة العلم الصغار بالمسجد الجامع، والشيخ محمد يدرس الكبار منهم؛ وكان الوالد يدرّس كتب العقيدة والحديث للصغار بأمر من الشيخ لما رأى فيه من العلم والفهم والذكاء والنباهة والغيرة للعقيدة السلفية.
وكان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يكني الوالد بأبي زيد ممازحـًا له، وكان يقرّبه في مجلسه العام.
وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يأمر بعض أبنائه أن يدرُس على الوالد علوم الآلة في اللغة وكذلك الحديث وغيرهما من العلوم؛ وكان الوالد يقضي الإجازة بمكة فكان الشيخ محمد بن إبراهيم يرسل أحد أبنائه مع الوالد يتلقى العلم عليه.
ومكث الوالد في الرياض إحدى عشرة سنة متعلِّمًا وعالمًا يدرس بمعهد الدعوة بالرياض، تخرّج على يده منه ناسٌ كثير جدًّا بعضهم من العلماء، بل من كبار العلماء في دار الإفتاء بهذه البلاد المباركة.
وقد تأثّر الوالد بالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "رحمه الله تعالى" في العقيدة والعلم، وأحبّ الوالدُ الشيخ محمد بن إبراهيم حبًا كبيرًا وكان يذكره في مجلسه العامر بالمدينة النبوية ويثني عليه، ويقول: "لم نر مثلَه في هذه البلاد علمًا، وتواضعًا، وزهدًا، وحبًّا لطلبة العلم وإحسانًا لهم".
وكذلك عندما كان الوالدُ بالمدينة قبل ذهابه إلى الرياض التقى بالشيخ ابن تركي "وهو من علماء المدينة في ذلك الوقت"، وقرأ عليه "صحيح البخاري" وفي عقيدة السلف وتأثّر به، وكان الشيخ ابن تركي فيه شدّة واضحة ظاهرة للجميع، وكان عالمًا زاهدًا قلّ نظيرُه في الزهد في المدينة النبوية في ذلك الوقت كما يذكره الوالد وشيخنا الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر القرشي الشنقيطي المتوفى سنة 1418ه‍.
كما كان يحضر دروس الشيخ محمد الأمين صاحب تفسير "أضواء البيان" في المدينة، وتأثّر به وبعلمِه، وناظر الشيخ في كذا مسألة من مسائل المنطق والفلسفة مناظرة عالمٍ بهذا الفن الذي كان يحفظ فيه منظومات مع شروحها.
ودرس على عددٍ من علماء المدينة النبوية في دار العلوم الشرعية منهم: عبد الغفار حسن، والشيخ أبو بكر الشريف التنبكتي "المدرس بالمسجد النبوي الشريف قرب الروضة"، وقد أجازه الشيخان عبد الغفار وأبو بكر الشريف التنبكتي.
كما أنه درس النحو و "سنن النسائي" على الشيخ محمد الحافظ القاضي، وأجازه هو أيضـًا في علم الحديث إجازة عامّة.
وكان الوالد "رحمه الله تعالى" حريصـًا على أخذ الإجازة في علم الحديث عمّن كان أهلاً للإجازة من العلماء الفحول في عصره.
ومن أقدم من أجازه عمه الملقّب بالبحر عندما كان في البلاد صغيرًا في السن.
وبعد انتقاله من الرياض إلى المدينة سنة 1985 للتدريس في الجامعة الإسلامية. استقرّ من هذا العام بالمدينة النبوية إلى أن انتقل إلى "رحمه الله تعالى" سنة 1418ه‍، بعد أن مكث فيها ثلاثًا وثلاثين سنة ناشرًا للعلم فاتاً قلبه ومكتبته للناس.
وقد كانت هناك بعثات من الجامعة لمن في ضواحي المدينة من أهل البادية لتعليمهم شؤون الإسلام؛ فكان يشارك فيها "رحمه الله تعالى".
وسكن قريبًا من المسجد النبوي في حيّ المصانع، وفتح مكتبة متواضعةً في بيته كان يجتمع فيها مَن كان فيه حرصٌ من طلبة العلم، منهم: الشيخ صالح الفهد، والشيخ يوسف الدخيل، والشيخ عمر محمد فلاّته "رحمه الله تعالى" الذي كان بينَه وبين الوالد محبّةٌ كبرى.
وكان الشيخ عمر بن محمد فلاّته يحب الوالد ويقول: "أتمنّى أن يرزقني الله مثل علم الشيخ حمّاد الأنصاري"، قال ذلك في شريط ألقاه في ترجمة الوالد فقد "رحمه الله تعالى".
وكانت بينهما مدارسة للعلم ومعرفة لأحوال بعض معرفة كبيرة جدًّا.
وعندما توفي الوالد ذهب إليه الشيخ عمر محمد في المستشفى وكان الوالد عليه شرشفٌ أبيض مسجّى عليه فكشف عنه الشيخ عمر وعندما رأى وجهَ الوالد وهو متوفى أخذ يبكي، لم يتماسك عن البكاء والنحيب؛ فرحم الله هذين الشيخين المحبيبين لبعضهما رحمةً واسعة.
كما كان يحضر عنده في المصانع الشيخ عمر حسن فلاته، والشيخ عبد الرحمن الفريوائي، وغيرهم من طلبة العلم المحبيين للوالد ممن لا أستحضره الآن.
ومكث في المصانع قرابة عشر سنين "أو تزيد بقليل" فاتحًا مكتبته المتواضعة للناس على قلّة ذات يده في ذلك الوقت من المال.
وكان مسخّرًا ماله لشراء الكتب ووضعها في المكتبة لينتفع طلبة العلم الغرباء وغيرهم منها في القراءة والبحث.
وكان يدرس في المسجد النبوي "سنن الترمذي" حتى ختمه كاملاً، كما درّس النحو، والصرف، وبعض علوم الآلة والحديث.
ثم انتقل من حيّ المصانع إلى الحرة الشرقية، ووسع مكتبته السابقة الذكر وملأها بالكتب، واستقبل طلبة العلم فيها يعلّمهم؛ وكان يحثّهم على نشر العلم وبالأخصّ علم الحديث ـ الذي كان في ذلك الوقت قليل طلاّبه والباحثون عنه، وكان يُعير هؤلاء الطلبة كتبه للانتفاع بها، وكان يُعيرهم حتى النادر من المخطوطات ويسمح لهم بتصوير المخطوطات؛ ولم يكن في ذلك الوقت من يهتم بالمخطوطات سواه في المدينة النبوية فيما أعلم.
وكان شرطُه في المخطوطات: أن لا يجمع منها إلاّ ما كان في علم الحديث والعقيدة السلفية وبالأخصّ المخطوط الذي لم يطبع أو المخطوط الذي طبعتُه رديئة.
ولم تمنعه قلة المال عن شراء الكتب وتصوير المخطوطات؛ فقد كان أغلب ماله مسخرًا في شراء الكتب المطبوعة وتصوير المخطوط.
وقد تسبب الوالد في نشر الكثير من كتب الحديث والعقيدة السلفية؛ فمن ذلك: كتاب "السنة" للالكائي، فهو الذي أعطى مخطوطه لمحققه بعد أن طلبه من ألمانيا من طريق نظام يعقوبي فأحضر نسخة رائعة من هذا الكتاب دفعه الوالد للمحقق فحققه وطبعه؛ وكذلك زوّد المحقق بنسخة لهذا الكتاب مكتوبة بخطِّه هو حيث إنّ الوالد قام بنسخه كاملاً من هذا المخطوط، فأعطى المحقِّق المخطوط وأعطاه هذا المخطوط منسوخاً بخطِّه الواضح المنسّق المرتّب؛ فما كان من المحقِّق إلاّ أن علّق على حواشيه ونحو ذلك فأخرجَ الكتاب وأخذ عليه الدكتواره؛ ولم يذكر هذا المحقِّق هذا المعروف من الوالد في مقدّمة تحقيق هذا الكتاب؛ والأجرُ عند الله لا عند الناس؛ والله المستعان.

ومن يفعل المعروف لا يعدم جوازيه ....لا يذهب العُرْفُ بين الله والناس

فليعم القارئ: أن الوالد سخّر نفسَه منذ أن جاء لهذه البلاد المباركة لخدمة علم الحديث والعقيدة السلفية؛ فقد كان الوالدُ مدرِّساً في الجامعة الإسلامية في معاهدها وكليّاتها وفي الدراسات العليا.
وكان يحثّ طلبة العلم على نشر العقيدة السلفية وتعليمِها وتعلّمها، وكان يوضّح لهم العقيدة السلفية أحسنَ توضيح وما يرد من الإشكالات حولَها، وكذلك التشكيكات، ويذكر شبه المناوئين لها ويردّ عليهم.
كما كان يلقي المحاضرات في خارج الجامعة وفي الجامعة في العقيدة السلفية والحثّ عليها؛ ويُعَرَّف عداوة غير السلفيين للعقيدة السلفية وما هم عليه، سواء من الأشاعرة أو الماتردية أو المتعصّبة من أهل المذاهب الأربعة؛ وقد أشار على تلميذه عبد الإله الأحمدي "التلميذ النبيل" أن يكتب رسالة في الدكتوراه في مسائل الإمام أحمد ومروياته في العقيدة يكون هو المشرف عليه فيها، وقد فعل وطبع الكتاب.
كلُّ ذلك من أجل نشر عقيدة أهل السنة الذي كان الإمام أحمد وأصحابه من دعاتها والذّابين عنها؛ فقد قضى الوالد "رحمه الله تعالى" عمرَه في نشر عقيدة السلف، وجمع في مكتبته من كتب السلف في العقيدة والحديث ما لم يجمعه غيرُه، كان يطلبُها حيثما تكون من الدنيا، سواء مطبوع أو مخطوط؛ ولا يخفى هذا على من كان يعرف الوالد من الملازمين له وغير الملازمنين؛ وكان يقول: "لا أسمعُ بكتاب في العقيدة السلفية أو الحديث إلاّ وأحرص على اقتنائه".
وقد جمع "رحمه الله تعالى" مؤلَّفاً في كل ما يُنسب إلى الإمام أحمد وأصحابه من كتب العقيدة السلفية فبلغت مجلّدًا كبيرًا.
وكان الوالدُ في مجلسه في مكتبته يحثُّ كلَّ من يأتيه من طلبة العلم على التمسّك بعقيدة أهل السنة ونشرها والذبّ عنها.
قد كان باذلاً لمخطوطاته لمن أراد الاستفادة منها؛ فقد قامت جامعة الإمام بالرياض بتصويرها كلها، وكذلك الجامعة الإسلامية، ومركز خدمة السنة بالمدينة النبوية، وكذلك صوّرها من الأفراد الشيخ مساعد الرّاشد، والشيخ صالح آل الشيخ.
وبعد انتقاله إلى بيته في حيّ الفيصليّة توسّعت مكتبتُه وقام بزيادة الكتب المطبوع والمخطوط حتى بلغ المخطوط خمسة آلاف مخطوط كلّها بتوفيق الله جمعها بمالِه، لم يشاركه في ذلك أحدٌ؛ وكان يقول: "عندي في مكتبتي جميع أنواع علم الحديث التي ذكرها العلماء في كتب المصطلح ـ يعني: عندي المؤلفات فيها ـ".
وكان يرحل إليه طلبة العلم من كلّ الدنيا يطلبون منه الإجازة في علم الحديث، ويأخذون من علمه الغزير؛ فلا يوجد علم إلاّ وعندَه منه طرف حتى علم التنجيم والمنطق والجغرافيا الحديثة؛ وأما التاريخ فكان يعرفه معرفة لا نظيرَ لها، وتأتي معرفته له بعد علم الحديث والعقيدة السلفية.
وكان المشايخ في هذه البلاد المباركة يتّصلون عليه هاتفيـًّا للاستفسار عن بعض الإشكالات في الحديث والعقيدة والفقه مثل الشيخ ابن باز، واللحيدان، والشيخ محمد أمان، والشيخ الجزائري، والشيخ عطيّة، والشيخ بكر أبو زيد، وكذلك القضاة في المحاكم الشرعية.
وكان واسعَ الصدر رحبه للجميع، يجلس في مكتبته لاستقبال طلبة العلم والمشايخ من بعد صلاة العصر إلى العشاء يوميـًّا بدون انقطاع منذ أن دخل المدينة سنة 1385ه‍ إلى قبيل مرضه بأيّام معدودة، وكان الطلاّب يأتون من كلّ مكان كُلٌّ له حاجته فيعطي هذا حاجته من المال ويشفع لهذا، وهذا حاجته من الكتب، وهكذا لا يملّ ولا يسأم.
وبجانب هذا يؤلِّف ويردّ على الرسائل التي تأتيه من دار الإفتاء في بعض المعضلات والإشكالات في العقيدة والحديث، ويردّ على الاستفسارات في الهاتف التي تأتيه من كلّ مكان في الدنيا.
وكان يزوره في مجلسه الأمراء والوزراء فيخرجون من مجلسه وقد ازدادوا حبـًّا له وإكبارًا له.
فليعلم القارئ: أن الوالدَ "رحمه الله تعالى" بذل ماله ووقتَه وعمرَه منذ نعومة أظفاره إلى أن لقيَ الله تعالى بعد معاناة من خطأٍ طبِّي أدّى إلى غيبوبة دامت تسعة أشهر، ثم مات ودُفن بالقُرب من قبور بنات النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته في أول بقيع الغرقد على يسار الداخل إليه مخلِّفُا علماُ جماُ في صدور طلبته ومكتبة عامرة وذكرًا حسناً.
وقد قُبر في هذا المكان من المقبرة بسعاية من الشيخ العالم عمر بن محمد فلاّته الذي كان يحبُّه ويجلّه ويعرف قدره وعلمه وسعة اطلاعه ومحبته لنشر عقيدة السلف وعلم الحديث.
كاتب هذه السطور هو: ابن المترجَم: عبد الأول بن حمّاد بن محمد الأنصاري الخزرجي "عفا الله عنه" / / 1420هـ.






آخر تعديل أم الشفاء يوم 23 Jan 2014 في 03:12 am.
رد مع اقتباس